نور الدين عتر
69
علوم القرآن الكريم
المدني مشحون بتفاصيل التشريع والأحكام ، بل بلغ الأمر بهذا الزاعم أن قال : « إن القسم المكي يمتاز بالهروب من المناقشة ، وبالخلو من المنطق والبراهين ، فيقول : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ . بخلاف القسم المدني فهو يناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين فيقول : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا . هكذا يستدل هذا الزاعم بهذه الاستدلالات على ما توهمه من تأثر القرآن بالبيئة واقتباسه منها . . . « 1 » . وهذا في الواقع تجنّ واختلاق ، صادر عن سفيه جهول ، أو آفك مغرض متحامل حقود ، ونورد إلماحات وجيزة لرد هذا الزعم فيما يلي : 1 - إن سمات المكي والمدني الأسلوبية وكذا الموضوعية خاضعة لقضية البلاغة الجوهرية والمسلمة لدى كل ذي إلمام بالبلاغة والبيان عربيا أو غير عربي ، وهي مراعاة مقتضى الحال ، كما ذكرنا من قبل ، لذلك نجد في المكي سورا طوالا بل من أطول الطوال ونجد في المدني سورا قصارا وفيها الآيات والفقرات القصيرة ، بل من أقصر القصار ، كما في سورة « الفتح » وسورة « الكوثر » وهي أقصر سورة في القرآن وهي مدنية كما ثبت بذلك الحديث الصحيح الذي لا يقاوم . كذلك نجد في المدني شدة أحيانا ، كما في هذه الآيات من مطلع سورة « الصف » المدنية بالاتفاق : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ .
--> ( 1 ) انظر تفاصيل عبارات هذه الفقرة ومناقشتها في كتاب : مناهل العرفان ج 1 ص 198 - 232 والمدخل إلى دراسة القرآن الكريم لفضيلة أستاذنا الشيخ محمد